محمد بن جرير الطبري
280
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أتاني كلام عن نصيب بقوله * وما خفت يا سلام أنك عائبي بمعنى : ما ظننت . وقرأه آخرون من أهل المدينة والكوفة : " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " فأما قارئ ذلك كذلك من أهل الكوفة ، فإنه ذكر عنه أنه قرأه كذلك اعتبارا منه بقراءة أبن مسعود ، وذكر أنه في قراءة أبن مسعود : " إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله " وقراءة ذلك كذلك اعتبارا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه خطأ ؛ وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه ، فإنما أعمل الخوف في " أن " وحدها ، وذلك غير مدفوعة صحته ، كما قال الشاعر : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفني بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فأما قارئه إلا أن يخافا بذلك المعنى ، فقد أعمل في متروكة تسميته وفي " أن " ، فأعمله في ثلاثة أشياء : المتروك الذي هو اسم ما لم يسم فاعله ، وفي أن التي تنوب عن شيئين ، ولا تقول العرب في كلامها ظنا أن يقوما ، لكن قراءة ذلك كذلك صحيحة على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك اعتبارا بقراءة عبد الله الذي وصفنا ، ولكن على أن يكون مرادا به إذا قرئ كذلك . إلا أن يخاف بأن لا يقيما حدود الله ، أو على أن لا يقيما حدود الله ، فيكون العامل في أن غير الخوف ، ويكون الخوف عاملا فيما لم يسم فاعله . وذلك هو الصواب عندنا في القراءة لدلالة ما بعده على صحته ، وهو قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فكان بينا أن الأَول بمعنى : إلا أن تخافوا أن لا يقيما حدود الله . فإن قال قائل : وأية حال الحال التي يخاف عليهما أن لا يقيما حدود الله حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها الخلع ؟ قيل : حال نشوزها وإظهارها له بغضته ، حتى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحق ، ويخاف على زوجها بتقصيرها في أداء حقوقه التي ألزمها الله له تركه أداء الواجب لها عليه ، فذلك حين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه ، والحال التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان أتى زوجته إذ نشزت عليه بغضا منها له . كما : حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : قرأت على فضيل ، عن أبي جرير أنه سأل عكرمة ، هل كان للخلع أصل ؟ قال : كان ابن عباس يقول : أن أول خلع كان في الإِسلام أخت عبد الله بن أبي ، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها . قال زوجها : يا رسول الله إني أعطيتها أفضل مالي حديقة فلترد على حديقتي قال : " ما تقولين ؟ " قالت : نعم ، وإن شاء زدته قال : ففرق بينهما الخلع . حدثني محمد بن معمر ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا أبو عمرو السدوسي ، عن عبد الله ، يعني ابن أبي بكر ، عن عمرة عن عائشة : أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ، فضربها فكسر بعضها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح ، فاشتكته ، فدعا رسول الله ثابتا ، فقال : " خذ بعض مالها وفارقها " قال : ويصلح ذلك يا رسول الله ؟ قال : " نعم " ، قال : فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خذهما وفارقها " ففعل الخلع حدثنا أبو يسار ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا مالك ، عن يحيى ، عن عمرة أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأَنصارية : أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآها عند بابه